الشيخ محمد علي طه الدرة

11

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى أي : ليعن بعضكم بعضا على ما يكسب البرّ ، والتقوى . قال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : البر : متابعة السّنّة . وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ أي : لا يعن بعضكم بعضا على الإثم ، وهو الكفر ، والعدوان ، وهو الظلم ، فيأمر اللّه عزّ وجل عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات على جميع أنواعها ، وهو البرّ . وترك المنكرات ، والمعاصي جميعها ، وهو التّقوى ، وينهاهم عن التناصر على الباطل ، والتعاون على المآثم ، والمحارم . هذا ؛ وفي الجملتين من المحسّنات البديعية : المقابلة . وعن النواس بن سمعان - رضي اللّه عنهما - قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن البرّ ، والإثم ، فقال : « البرّ حسن الخلق ، والإثم ما حاك في صدرك ، وكرهت أن يطّلع عليه النّاس » . أخرجه مسلم . هذا ؛ وفسر الإثم في الآية رقم [ 32 ] من سورة ( الأعراف ) بالخمر ، واستدلّ عليه بقول بعض الجاهليين : [ الوافر ] شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي * كذاك الإثم يذهب بالعقول وَاتَّقُوا اللَّهَ خافوا اللّه ، واحذروا أن تهملوا ما أمركم به ، أو تعتدوا ، وتجاوزوا إلى ما نهاكم عنه : إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ : لمن خالف أوامره ، وتعدّى حدوده . ففيه وعيد ، وتهديد عظيمين . تنبيه : نزلت الآية الكريمة في الحطم ، واسمه : شريح بن هند بن ضبعة البكري ، أتى المدينة وحده ، وخلف خيله خارج المدينة ، ودخل على النبيّ ، فقال : إلام تدعو الناس ؟ فقال : « إلى شهادة أن لا إله إلّا اللّه ، وإقام الصّلاة ، وإيتاء الزّكاة » . فقال : حسن إلا أنّ لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم ، ولعلّي أسلم ، وآتي بهم ! فخرج من عنده ، وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لأصحابه : يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلّم بلسان شيطان ، فلمّا خرج شريح ؛ قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « لقد دخل بوجه كافر ، وخرج بقفا غادر ، وما الرّجل بمسلم » . فمر بسرح من سرح المسلمين ، فاستاقها ؛ وهو يرتجز ويقول : [ الرجز ] قد لفّها اللّيل بسوّاق حطم * ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزّاز على ظهر وضم * باتوا نياما وابن هند لم ينم بات يقاسيها غلام كالزّلم * خدلّج السّاقين خفّاق القدم فطلبه المسلمون ، فلم يدركوه ، فلمّا كان العام القابل ، وخرج الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لعمرة القضية فسمع تلبية حجّاج اليمامة ، فقال : هذا الحطم ، وأصحابه ، وكان قد قلّد ما نهب من سرح المدينة ، وأهداه إلى مكّة ، فتوجّهوا في طلبه ، فنزلت الآية الكريمة ، والمعنى : لا تحلّوا ما أشعر للّه ، وإن كانوا مشركين . ولكن قد نسخ هذا الحكم بسورة ( التوبة ) وبالآيات التي تأمر بقتال المشركين أينما كانوا . واللّه أعلم بمراده .